| 0 التعليقات ]

144445

أمر رسول الله صلي الله عليه وسلم المسلمين بوضع حاجز بين مكان صلاته والحيز الخارجي له، وذلك تحصنا للانشغال عن الصلاة بأي مثير قد يخرج المصلي عن خشوعه وتفكره، وحثنا علي مراعاة ذلك لكونه من عمل الشيطان ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم , قَالَ :" إذا كان أحدكم يصلي ، فلا يدع أحدا يمر بين يديه ، وليدرأه ما استطاع ، فإن أبى فليقاتله ، فإنما هو شيطان ." سنن أبي داود.

لمن جعلت السترة؟ :

وجاء في "الموسوعة الفقهية": " يسن للمصلي إذا كان فذا ( منفردا ) ، أو إماما أن يتخذ أمامه سترة تمنع المرور بين يديه , وتمكنه من الخشوع في أفعال الصلاة ؛ وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة , وليدن منها , ولا يدع أحدا يمر بين يديه ) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم ) .

أما المأموم فلا يستحب له اتخاذ السترة اتفاقا ; لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه , أو لأن الإمام سترة له ".

كم أجعل بيني وبين السترة :

السنة أن يدنو المصلي من سترته ، ويكون قريباً منها ، بحيث يتمكن من رد المار بين يديه ؛ لما رواه أبو داود (695) عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ رضي الله عنه عن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته ) حسنه ابن عبد البر في "التمهيد" (4/195) ، وصححه النووي في "المجموع" (3/244) ، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .

وفي الموسوعة الفقهية " يسن لمن أراد أن يصلي إلى سترة أن يقرب منها نحو ثلاثة أذرع من قدميه ، ولا يزيد على ذلك ؛ لحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع) ، وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة , وهو المفهوم من كلام المالكية ؛ لأن الفاصل بين المصلي ، والسترة يكون بمقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده ".

وذهب آخرون إلى أن المسافة بمقدار ممر شاة من مكان سجود المصلي ؛ لما روى البخاري ( 474 ) ، ومسلم ( 508 ) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ : ( كان بين مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممر الشاة).

ارتفاع السترة؟

ولكن اختلف العلماء حول طول أو علو تلك السترة فقد روي السنة أن يستتر المصلي بشيء قائم ، والأفضل أن يكون بمقدار مؤخرة الرحل فما فوق ؛ لما رواه مسلم (771) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ، في غزوة تبوك ، عن سترة المصلي ؟ فقال " كمؤخرة الرحل " ) رواه مسلم (771) .

قال النووي رحمه الله : " وَفِي الْحَدِيث النَّدْب إِلَى السُّتْرَة بَيْن يَدَيْ الْمُصَلِّي ، وَبَيَان أَنَّ أَقَلّ السُّتْرَة مُؤْخِرَة الرَّحْل ، وَهِيَ قَدْر عَظْم الذِّرَاع , هُوَ نَحْو ثُلُثَيْ ذِرَاع , وَيَحْصُل بِأَيِّ شَيْء أَقَامَهُ بَيْن يَدَيْهِ هَكَذَا " انتهى من "شرح مسلم للنووي" (4/216) .

قال ابن قدامة رحمه الله :" وقدر السترة في طولها : ذراع أو نحوه . قال الأثرم : سئل أبو عبد الله عن آخرة الرحل كم مقدارها ؟ قال : ذراع . كذا قال عطاء : ذراع . وبهذا قال الثوري , وأصحاب الرأي . وروي عن أحمد , أنها قدر عظم الذراع . وهذا قول مالك , والشافعي .

والظاهر أن هذا على سبيل التقريب لا التحديد ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدرها بآخرة الرحل , وآخرة الرحل تختلف في الطول والقصر , فتارة تكون ذراعا , وتارة تكون أقل منه , فما قارب الذراع أجزأ الاستتار به , والله أعلم .

يقول عبد العزيز بن باز رحمه الله ، الصلاة إلى سترة سنة مؤكدة وليست واجبة فإن لم يجد شيئا منصوبا أجزأه الخط.. والحجة فيما ذكرنا قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها) رواه أبو داود بإسناد صحيح. وقوله صلى الله عليه وسلم: (يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل المرأة والحمار والكلب الأسود) رواه مسلم في صحيحه.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا فإن لم يجد فليخط خطا ثم لا يضره من مر بين يديه) رواه الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد حسن، قاله الحافظ بن حجر في (بلوغ المرام). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى في بعض الأحيان إلى غير سترة، فدل على أنها ليست واجبة، ويستثنى من ذلك الصلاة في المسجد الحرام فإن المصلي لا يحتاج فيه إلى سترة لما ثبت عن ابن الزبير رضي الله عنهما، أنه كان يصلي في المسجد الحرام إلى غير سترة والطواف أمامه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك لكن بإسناد ضعيف، ولأن المسجد الحرام مظنة الزحام غالبا، وعدم القدرة على السلامة من المرور بين يدي المصلي، فسقطت شرعية ذلك لما تقدم ويلحق بذلك المسجد النبوي في وقت الزحام وهكذا غيره من أماكن الزحام عملا بقول الله عز وجل: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) متفق على صحته. والله ولي التوفيق.

فمنهم من رأى أن المسافة بمقدار ثلاثة أذرع من قدمي المصلي ؛ لما روى البخاري (506) عن نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما ( كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ، صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ )

المصدر : موفع محيط

...تابع القراءة

| 2 التعليقات ]

Thumbmail2012-07-06 15_54_00_288X

أكد فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة - مفتي الديار المصرية - أن الهدف من وراء إثارة موضوع ملك اليمين هو البلبلة والتشويش على الناس في دينهم، قائلاً :" إنه شيء تعودنا عليه من أعداء الإسلام عبر القرون، ونحن لا ننساق وراءه، مؤكدًا أن الإسلام لاقى عبر مسيرته الغراء المنيرة الكثير من التشويهات والتخرصات والشبهات وحورب بكل طريقة، فحورب في ثقافته وحورب في اقتصاد أهله وحورب في أرضه ومازال يحارب إلى يومنا هذا.

واوضح مفتي الجمهورية، في خطبة الجمعة بمسجد فاضل بمدينة السادس من أكتوبر، أننا نشهد كل حين تكرارًا لتلك الأكاذيب وإعادة لهذه الشبهات وكأنها لم يرد عليها وكأنها لم تكذب، فهي نوعًا من تلبيس إبليس، أي إلباس الحق بالباطل.

وأوضح مفتي الجمهورية أن الإسلام قد جاء إلى العالم وكان نظام الرق قائما في كل بقاع الأرض، وهو نظام يعني أن يستعبد إنسان إنسانا آخر، فيصير هذا الرجل أو المرأة كالشيء الذي يجوز بيعه ويجوز توريثه .. ووصل الحال عند الرومان أنهم كانوا يدربون أبناءهم على السهام ويجعلون العبيد هم الهدف.

وأضاف مفتي الجمهورية :" كان للرق موارد أربع، منها رقيق الدين أي أنه إذا كان لي دين عند إنسان وعجز عن السداد فأنا أمتلك هذا الإنسان، وإذا كان الدين أكبر من قيمة هذا الشخص فإنني أمتلك أبناءه وزوجته، وهناك مورد الخطف، وهو أن اخطف رجل أو امرأة أو طفل وأبيعه، فجاء الإسلام وجعل ذلك من الفساد في الأرض وحرم ذلك، بالإضافة إلى مورد الجوع، أي إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يطعم أبناءه فإنه يبيعهم، وهو ما يحدث إلى اليوم في الهند، وهو ما حرمه الإسلام أيضا، فحرم قتل الأبناء أو بيعهم، وكان من موارد الرق الحرب والأسر، فأبقى الإسلام على صورة الرق من الحرب "أسرى الحرب" وكان الإمام أو الخليفة هو سيد الأسرى، ويجوز له أن يستبدل بهم أسرى المسلمون، أو أن يردهم أو أن يضرب عليهم الرق، وأمرنا الإسلام أن نعتق الرقيق ونعتق العبيد، وجعل تكفير الذنوب بعتق الرقاب".

أي أن الإسلام جاء فأغلق ثلاثة موارد للرق وأبقى على واحدة وقيدها، وفتح بابا للعتق حتى أصبح العتق تعبدا لله وتقربا إليه وتكفيرا عن الذنوب مضيفا أن الشرع يتشوق إلى الحرية.

وأكد مفتي الجمهورية أن المرأة التي تأتي للرجل فتقول له ملكتك نفسي، وعاشرها معاشرة الأزواج فهو زنا حرام شرعا، فالحر لا يدخل تحت يد شخص آخر حتى برضاه، فلا يجوز أن أبيع أبنائي، فإذا بعتهم ظلوا أبنائي وظلوا أحرارا.

وأضاف مفتي الجمهورية أن من يقومون بذلك يفترون على الله وعلى الإسلام وعلى المسلمين ويغيرون المسميات، فهو زنا ويسمونه ملك يمين، كل ذلك من عدوان المعتدين ومن تلبيس المفلسين ومن جهل الجاهلين، فمنذ أكثر من 153 سنة انتهى الرق في العالم الإسلامي كله، فإذا جاء أحد البطالين العاطلين يريد أن يتلاعب بالإسلام والمسلمين فقولوا له خسئت وخسرت، والله من ورائك محيط، وهذا التلبيس إنما هو من قبيل الإفلاس

واختتم مفتي الديار المصرية خطبته بالتأكيد على أننا نعيش في عصور قد اختلط فيه العاطل بالباطل، ونطق فيه الرويبضة، أي الرجل التافه يتكلم في الشأن العظيم.

 

المصدر : أخبار مصر

...تابع القراءة

| 1 التعليقات ]

45845-300x225

استح ِ.. الله ينظر إلى صحيفتك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

وبعد، فأيها الأحبة في الله

شهر شعبان، هو الموسم الختامي لصحيفتك عن هذا العام

فبم سيُختم عامك؟

ثم..

كيف تحب أن يراك الله جل جلاله بينما ينظر سبحانه إلى صحيفتك؟

من أجل هذا وهذا، كان من حال السلف أنهم يغلقون حوانيتهم في شعبان ويقولون: هو شهر القُرَّاء

نعم أيها الإخوة

وأنا أحبكم في الله.. أريدكم أن تتأملوا لفظ (القُرَّاء) ، حيث الإشارة الواضحة إلى الاحتراف !

نعم احتراف التلاوة، وإدمان القيام.

فإن كنا نريد أن نقرأ القرآن في رمضان قراءة المحترفين، فلنبدأ من الآن في "الإحماء" والتسخين..

نعود للسؤال المهم:

بم سيُختم عامُك؟ وكيف تحب أن يراك الله بينما ينظر سبحانه إلى صحيفتك؟

الإقبال عل العمل الصالح كله، وخصوصاً قراءة القرآن.. نعم هذا جيد.

الذكر وإصلاح الصلوات وكثرة الصدقات.. نعم هذا عظيم.

بر الوالدين، وأداء حقوق العيال، وصلة الأرحام، وإصلاح ذات البين، وخدمة المسلمين.. ما أحسن هذا كله!

لكن أهم وظائف شعبان:

أولاً : الحياء من عين الله جل جلاله

إن نظرة تأمل لحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شعبان، تظهر لك أكمل الهدي في العمل القلبي والبدني في شهر شعبان، يقول صلى الله عليه وآله وسلم:

" .. وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم"

إنه الحياء.. أهم ما يشغلك والله الكبير المتعال ينظر في صحيفتك: أن تستحي من نظره لجرائم عظيمة أشدها خطراً ما نسيت منها قال سبحانه: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } فأظلم المذنبين ينسى ما قدمت يداه.

وتستحي كذلك من نظره لقربات امتلأت بالتقصير ، قال بعض السلف: "إما أن تصلي صلاة تليق بالله جل جلاله، أو أن تتخذ إلهاً تليق به صلاتك"

كل ما كتبته الملائكة في صحيفتك يجلب الحياء !

كل ما يراه الله في صحيفتك سوءات وعورات !

فهلا استحييت..؟!

استح من نظره .. فتعَرَّض له سبحانه- أثناء شهر عرض العمل عليه- بكل عمل صالح تطيقه..

وإن كانت التلاوة تأخذ ساعة أو أكثر، وإن كانت الصلوات تأخذ مثل ذلك، وإن كان الذكر مثل ذلك..

فإن الصوم شأنه شأن آخر..

إنه يأخذك من أول اليوم إلى آخره، فتصبح في كل لحظة من لحظات أيام شعبان تحمل اسم (عبد الله الصائم

فلا يهدأ بال العبد الحيي إلا إذا ضمن أنه أيما لحظة ينظر فيها الله جل جلاله إلى صحيفته، فسيراه في ذات اللحظة ظمآناً من أجله، جائعاً من أجله، ممتنعاً عن شهوته حتى يرضى..

ومن الحياء في الصوم كذلك: أنه امتناع عن مباح لا تأثم بإتيانه.. !

فبينا ينظر سبحانه لسيئة اقترفت بها شيئا لم يكن لك، إذ بك تتراءى له سبحانه بأنك ممتنع عن المباح من أجل وجهه جل جلاله..

تالله إن هذا لهو الاعتذار بالحياء، حالك حينئذٍ:

مولاي

وا سوءتاه وإن عفَوت

اللهم اغفر ذنباً ما كان ليضرك

اللهم اجبر نقصاً لم ينقص من ملكك

الوظيفة الثانية في شعبان: التلذذ باغتنام غفلة الناس

لما قال أسامة بن زيد رضي الله عنه: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان!

قال صلى الله عليه وسلم:

"ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان .."

مضى رجب بعد أن فرَّغ فيه الرجبيون طاقاتهم الإيمانية في صوم مخصوص، ثم ها هم في شعبان يفطرون!

كأنهم يجمعون في بطونهم اتقاءً من رمضان!

مضى رجب عند كثير من جهال المسلمين هداهم الله، وهم الآن ينظرون إلى أول رمضان كأنهم في إجازة من التعرض لرحمات الله جل جلاله، حتى من بقي عنده شيء همة، يصرف همته في ليلة النصف من شعبان بصلاة مخصوصة ودعاء مخصوص واحتفال حابط!

أما من سار على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.. فإن شعبان موسمه !

إن الناس في أسواق (الياميش)، وآخرون يسجلون أسماءهم في الدورات الرمضانية، وغيرهم ...

أما هو.. فهل تدري أين هو؟ حاول أن تتخيل مع من هو؟

إنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم!

قال صلى الله عليه وسلم: "العبادة في الهرْج كهجرة إلي" ، "العبادة في الفتنة كهجرة إلي"

إنه الغريب الذي أخبر عنه صلى الله عليه وسلم أنه يود أن يرى رسول الله ولو دفع ماله ونفسه، يُصلِح إذا أفسد الناس، صالح حال فساد الناس، يُصلح ما أفسده الناس.

فيجمع في عباداته في شعبان بين الحياء سالف الذكر، وبين هذه اللذة المذكورة: الفرح بنعمة الله أن وفقه لذكره وعبادته حال لهو الخلق، وشعبان موسم غفلة بنص كلام المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم.

الوظيفة الثالثة في شعبان:استشعار قرب فتح باب الجنة.. وغلق باب النار

بالله عليك أخي! لو أنك واقف خارج الجنة وعلمت أن بابها يكاد يفتح.. فكيف كنت ستنظر إليه؟!

كأني بعينيك تنظر إليه كله.. تأتي به من أوله إلى آخره.. ثم تنظر إلى ما بين مفصلاته ربما يأتي منها بصيص نور قبل طرف الباب.. ثم تحاول أن تتخيل ما أول ما ستراه.. ثم تتوهم مسابقتك الناس في الدخول...

نريد أن نتحفز هكذا لرمضان، فيصبح استعدادنا يحمل هذه الروح..

حتى إذا فُتح الباب ملأنا أعيننا بعطايا الجنة، واغتنمنا قطوفها..

وكذلك

نريد إذا أغلق الله تعالى باب النار في رمضان ألا نكون ممن يتسورون النار!

إذا أغلق الله عنك باب شر فلا تفتحه، لا تتسوره.. هل تريد مثالاً؟

الكبر مثلاً !

أليس الله تعالى قد أغلق عنك مسوغات هذا الباب؟

ألست لست للأسف من العلماء الربانيين؟!

ألست لست للأسف من العباد الزاهدين؟!

ألست لست للأسف من الدعاة ولا المجاهدين؟!

فعلام الكبر؟ ! ولم الغرور ؟! وبم الرياء ؟!

إذا أغلق الله عنك باب شر فلا تتسوره

حتى إذا دخل رمضان وأغلق باب الكسل عن المساجد، ودخل الناس المساجد تدخل معهم، ولا نراك بينما يصلي الناس التراويح ،وأنت تقوم بتنزيل درس من الإنترنت !!

حتى إذا أغلق باب الزنا وغض الناس أبصارهم تغض بصرك معهم، ولا نراك تكنس الشوارع ببصرك وتقول: انظر كيف يتعمد النصارى العري في رمضان!!

حتى إذا أغلق باب المشاحنات والانشغال عن الأرحام ووصل الناس أرحامهم نراك معهم تصل رحمك، ولا نراك تختلق مبررات تقطع بها رحمك.

هكذا أيها الإخوة نعيش شعبان، لنربح به رمضان

فاللهم ابدأنا بعطفك ولطفك..

وارزقنا من رحماتك وبركاتك ما يجعل شعبان أبرك شهور حياتنا

وتقبل فيه خير أعمالنا.. وتجاوز فيه عن موبقاتنا..

وبلغنا رمضان ونحن في أفضل ما تحبه وترضاه من أحوالنا

وارزقنا قوة وعونا منك على طاعتك

آمين آمين آمين وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين

الشيخ محمد حسين يعقوب

...تابع القراءة

| 2 التعليقات ]




عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " قال الله تبارك وتعالى : أنا الله وأنا الرحمن ، خلقت الرَّحِم ، وشققت لها من اسمي ، فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها بتَتُّه " .

تخريج الحديث

رواه الترمذي و أبو داود و أحمد في المسند ، قال الترمذي حديث صحيح ، وصححه الألباني .

معاني المفردات

الرحم : القرابة من ذوي النسب والأصهار .

وصلها : الصلة البر وحسن المعاملة ، وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين والعطف عليهم , والرعاية لأحوالهم ، وقَطْعُ الرحمِ ضد ذلك كله .

بتته : البت القطع .

فضل صلة الرحم

وردت أحاديث كثيرة ترغب في صلة الأرحام وتبين أجرها وثوابها ، فصلة الرحم شعار المؤمنين بالله واليوم الآخر ،
 وفي الحديث : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه" رواه البخاري ،
وهي من أعظم أسباب زيادة الرزق والبركة في العمر ،
 قال - صلى الله عليه وسلم - : " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " رواه البخاري ِ،
وعند الترمذي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم محبة في الأهل ، مثراة في المال ، منسأة في الأثر ".

وصلة الرحم توجب صلة الله للواصل ، وتتابع إحسان الله وخيره وعطائه على العبد ، كما دل ذلك الحديث القدسي الذي بدأنا به الموضوع ، وهي من أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان بالله وفي الحديث : " أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله ثم صلة الرحم ..... " رواه أبو يعلى وحسنه الألباني .

كما أن صلة الرحم من أسباب دخول الجنة وفي الحديث يقول - صلى الله عليه وسلم - " يا أيها الناس أفشوا السلام ، وأطعموا الطعام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام " رواه أحمد و ابن ماجة .

من كبائر الذنوب

وقطيعة الرحم ذنب عظيم ، يفصم الروابط بين الناس ، ويشيع العداوة والبغضاء ، ويفكك التماسك الأسري بين الأقارب ، ولأجل ذلك جاءت النصوص بالترهيب من الوقوع في هذا الذنب العظيم ، وأنه من أسباب حلول اللعنة وعمى البصر والبصيرة قال سبحانه :{فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم } ( محمد 23 - 22) ،
وأن عقوبته معجلة في الدنيا قبل الآخرة ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم " رواه الترمذي وغيره ،
وأنه من أسباب حرمان الجنة ورد الأعمال على صاحبها ، ففي البخاري من حديث جبير بن مطعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يدخل الجنة قاطع "
 و جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان جالساً بعد الصبح في حلقة فقال : " أنشد الله قاطع الرحم لما قام عنا ، فإنا نريد أن ندعو ربنا، وإن أبواب السماء مرتجة - أي مغلقة - دون قاطع الرحم " .

بم تكون الصلة ؟

صلة الرحم تكون بأمور عديدة منها زيارتهم والسؤال عنهم ، وتفقد أحوالهم , , والإهداء إليهم , , والتصدق على فقيرهم ، وتوقير كبيرهم , ورحمة صغيرهم وضعفتهم ، ومن صلة الرحم عيادة مرضاهم ، وإجابة دعوتهم ، واستضافتهم ، وإعزازهم وإعلاء شأنهم ، وتكون - أيضًا - بمشاركتهم في أفراحهم , ومواساتهم في أتراحهم , والدعاء لهم , وسلامة الصدر نحوهم , وإصلاح ذات البين إذا فسدت , والحرص على توثيق العلاقة وتثبيت دعائمها معهم ، وأعظم ما تكون به الصلة , أن يحرص المرء على دعوتهم إلى الهدى , وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، وبذل الجهد في هدايتهم وإصلاحهم .

ليس الواصل بالمكافئ

وقد يصل البعض أقاربَه وأرحامَه إن وصلوه ، ويقطعهم إن قطعوه ، وهذا ليس بواصلٍ في الحقيقة ، فإن مقابلة الإحسان بالإحسان مكافأة ومجازاة للمعروف بمثله ، وهو أمر لا يختص به القريب وحده ، بل هو حاصل للقريب وغيره ، أما الواصل - حقيقةً - فهو الذي يصل قرابته لله ، سواء وصلوه أم قطعوه ، وفيه يقول - صلى الله عليه وسلم -: " ليس الواصل بالمكافئ ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها " رواه البخاري .

وقد كان هذا حال الواصلين لأرحامهم على هذه الصورة من الإحسان حتى مع اختلاف الدين ، يشهد لذلك ما ورد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهديت له حلل كان قد قال عن مثلها : " إنما يلبس هذه من لا خلاق له ، فأهدى منها إلى عمر ، فقال عمر كيف ألبسها وقد قلت فيها ما قلت ؟ قال : إني لم أعطكها لتلبسها ، ولكن تبيعها أو تكسوها ، فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم " رواه البخاري .

ثم إن أفضل الوصل مقابلة الإساءة والعدوان بالبر والإحسان ، ولما جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له : إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني ، وأحسن إليهم ويسيئون إلي ، وأحلم عنهم ويجهلون علي ، قال له - عليه الصلاة والسلام - : " لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك " رواه مسلم ،
 والملُّ هو الرَّماد الحار ، فكأنه شبه ما يلحقهم من الألم والإثم - والحالة هذه - بما يلحق آكل الرماد الحار .

فهذا مما يبقي على الودّ ، ويحفظ ما بين الأقارب من العهد , ويهون على الإنسان ما يلقاه من إساءة أقاربه ، ومقابلة معروفه بالنكران ،
وصلته بالهجران ، وفيه حث للمحسنين على أن يستمروا في إحسانهم ، فإن الله معهم ومؤيدهم ومثيبهم على عملهم .
...تابع القراءة

| 1 التعليقات ]




ظاهرة نراها غريبة وهي اصطحاب المصلين لبناتهم الصغار إلى المسجد في أوقات الصلاة ، وأغلبهن للأسف الشديد في لباس وهيئة متبرجة : تصفيف للشعر فاتن ، ولباس قصير لافت للانتباه ، ومغريات لمرضى القلوب ، ومن جهة أخرى ماذا عن تعويد هؤلاء البنات الصغار على مخالطة الرجال ولو في المسجد ؟ وما هو أثر هذه الظاهرة على تربية البنت والفتاة ؟ وما هو أثر تقليد البنات الصغار للمتبرجات والكاسيات العاريات الكبار برضى والديهما ؟ . و لا حول و لا قوة إلا بالله .


الجواب :

الحمد لله
أولاً:
إنه لا بأس أن يصطحب المسلم ابنته الصغيرة إلى المسجد في صلاة الجماعة ، على أنه ينبغي مراعاة أمور :
1. أن تكون صغيرة دون التمييز ودون البلوغ إذا كانت في صحبة والدها أو أخيها ، أما إذا اصطحبتها أمها أو أختها فيسقط هذا القيد .
2. أن لا يحصل منها تشويش على المصلين أو إيذاء لهم ، ويكون ذلك بتوجيهها بلطف .
3. أن يؤخذ بأسباب عدم تلويثها للمسجد ببول وغائط .
4. أن يتجنب والدها إلباسها الملابس الضيقة أو القصيرة ، وهذا من باب التربية على العفاف والستر ، ويشمل ذلك جميع أماكن وجودها ، ولا شك أن المسجد أولى الأمكنة باللباس الشرعي وتجنب الزينة .


والدليل على جواز إحضار البنات الصغيرات للمسجد ولو كنَّ دون سن التمييز : ما رواه أبو قتادة رضي الله عنه قال : خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ ، فَصَلَّى ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا ، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا .

رواه البخاري ( 5996 ) ومسلم ( 543 ) .


ولكن ليُعلم أن من كانت دون التمييز – حتى من الذكور – فإنه لا يؤمن جانبهم ، ولهذا لم يكن الأصل في الشرع إحضار من كان في مثل هذا السن للمسجد لعدم استفادته من ذلك من جهة ولوقوع الإيذاء والعبث منه – غالباً – من جهة أخرى ، إنما يكون هذا على سبيل الأمر الطارئ ، إما للحاجة ، أو الشيء الذي يحدث على قلة وندرة ، أو نحو ذلك ؛ وفعل النبي صلى الله عليه وسلم مع زينب لم يكن على سبيل العادة الدائمة ؛ بل جاء في رواية أن أمامة بنت زينب تعلقت بجدها صلى الله عليه وسلم عند خروجه للمسجد فحملها وجاء بها المسجد . 


قال الصنعاني رحمه الله : " فِي قَوْلِهِ: كَانَ يُصَلِّي، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَمْلَ لِأُمَامَةَ وَقَعَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً وَاحِدَةً لَا غَيْرُ" انتهى من "سبل السلام" (1/211) .
فلا ينبغي الاستدلال بالحديث على إحضار المشاغبين والمشاغبات والمؤذين والمؤذيات لبيوت الله تعالى ، فإنه لو فرض وجود مصلحة من إحضارهم فإن مفاسد ذلك أعظم من المصالح بكثير ودفع المفاسد والحالة هذه يقدَّم على جلب المصالح .

قال ابن القاسم - رحمه الله - : " سُئِل مالكٌ عن الصبيان يُؤتى بهم المساجد ؟ قال : إن كان لا يعبث لصغره ويُكفُّ إذا نُهيَ : فلا أرى بهذا بأساً .
قال : وإن كان يعبث لصغره : فلا أرى أن يُؤتى به إلى المسجد " انتهى من " المدونة " ( 1 / 106 ) . 
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - : " يُصانُ المسجد عما يؤذيه ويؤذي المصلين فيه ، مِن رفع الصبيان أصواتهم فيه ، وكذلك توسيخهم لِحُصُرِه ، ونحو ذلك ، لا سيما إن كان وقت صلاة ؛ فإن ذلك من عظيم المنكرات " انتهى من " مجموع الفتاوى " ( 22 / 204 ) .

وقال علماء اللجنة الدائمة : " أما إذا كان الطفل غير مميز : فالأفضل ألا يحضر إلى المسجد ؛ لأنه لا يعقل الصلاة ولا معنى الجماعة ولما قد يسببه من الأذى للمصلين .
الشيخ عبد العزيز بن باز ، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، الشيخ عبد الله بن غديان ، الشيخ صالح الفوزان ، الشيخ بكر أبو زيد . 
" فتاوى اللجنة الدائمة " المجموعة الثانية ( 5 / 263 ، 264 ) . 


ثانياً:


مما ينبغي معرفته في هذا الباب أن إحضار الأنثى لبيت الله تعالى ليس كإحضار الصبي الذكر ؛ وذلك أن المسلم يحتاج أن يعلِّم ابنه الصلاة ويربيه في بيت الله تعالى ويعوده على المجيء للمسجد ، لأن صلاة الجماعة في المسجد عند بلوغه واجبة عليه ، وليس الأمر كذلك بخصوص النساء عند بلوغهن ، بل إنه الشريعة قد رغَّبتهن أن يصلين في بيوتهن ، وجعلت ذلك أفضل من صلاتهن حتى في بيت الله الحرام والمسجد النبوي ، فاختلف أمر البنات الصغيرات عن الصبيان الذكور اختلافاً بيِّناً ، وما ذكره السائل من آثار سيئة من إحضار بعض المسلمين لبناتهم للمساجد صحيح ونقره عليه ، ولذا فإننا ننبه أولئك المصلين إلى أن اهتمامهم ينبغي أن ينصب في هذا الجانب على أبنائهم الذكور لما سبق ذِكره ، وليكن أمر البنات إلى الأمهات ؛ فتصلي البنت مع أمها في البيت ؛ لتعوِّدها على عدم الخروج من المنزل ، وتعلمها أن صلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد ، ولتعتاد على عدم الاختلاط بالذكور ، وهذه منافع عظيمة يجب على الأهل والمربين وطلاب العلم أن لا يغفلوها عند الحديث عن هذه المسألة . 

 والله أعلم



...تابع القراءة

| 1 التعليقات ]



عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تبارك وتعالى: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي وصححه ابن القيم وحسنه الألباني.

غريب الحديث 

عنان السماء: وهو السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها.
قراب الأرض: ملؤها أو ما يقارب ملأها.
إنك ما دعوتني ورجوتني: أي ما دمت تدعوني وترجوني.
ولا أبالي: أي إنه لا تعظم علي مغفرة ذنوبك وإن كانت كبيرة وكثيرة.

منزلة الحديث 

هذا الحديث من أرجى الأحاديث في السنة، ففيه بيان سعة عفو الله تعالى ومغفرته لذنوب عباده، وهو يدل على عظم شأن التوحيد، والأجر الذي أعده الله للموحدين، كما أن فيه الحث والترغيب على الاستغفار والتوبة والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى.

أسباب المغفرة 

وقد تضمن هذا الحديث أهم ثلاثة أسباب تحصل بها مغفرة الله وعفوه عن عبده مهما كثرت ذنوبه وعظمت، وهذه الأسباب هي:

1- الدعاء مع الرجاء : 

فقد أمر الله عباده بالدعاء ووعدهم عليه بالإجابة ، فقال سبحانه: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } (غافر: 60) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ( الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ هذه الآية ) رواه أحمد ، ولكن هذا الدعاء سبب مقتض للإجابة عند استكمال شرائطه وانتفاء موانعه ، فقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض الشروط والآداب أو لوجود بعض الموانع.

ومن أعظم شروط الدعاء حضور القلب، ورجاء الإجابة من الله تعالى، قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه الترمذي : ( ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ) ، ولهذا أُمِر العبد أن يعزم في المسألة وألا يقول في دعائه اللهم اغفر لي إن شئت، ونُهِي أن يستعجل ويترك الدعاء لاستبطاء الإجابة، وجُعِل ذلك من موانع الإجابة حتى لا يقطع العبد حبل الرجاء ولو طالت المدة، فإنه سبحانه يحب الملحين في الدعاء، وما دام العبد يلح في الدعاء ويطمع في الإجابة مع عدم قطع الرجاء، فإن الله يستجيب له ويبلغه مطلوبه ولو بعد حين، ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يفتح له.

2- الاستغفار مهما عظمت الذنوب :

السبب الثاني من أسباب المغفرة المذكورة في الحديث، هو الاستغفار مهما عظمت ذنوب الإنسان، حتى لو بلغت من كثرتها عنان السماء وهو السحاب أو ما انتهى إليه البصر منها، وقد ورد ذكر الاستغفار في القرآن كثيراً فتارة يأمر الله به كقوله سبحانه: { واستغفروا الله إن الله غفور رحيم } (المزمل: 20)، وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: { والمستغفرين بالأسحار } (آل عمران: 17)، وتارة يذكر جزاء فاعله كقوله تعالى: { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } (النساء: 110) .

والاستغفار الذي يوجب المغفرة هو الاستغفار مع عدم الإصرار على المعصية والذنب، وهو الذي مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة في قوله: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون } (آل عمران: 135)، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك) والمعنى أي ما دمت على هذ الحال كلما أذنبت استغفرت من ذنبك،
 قال بعض الصالحين: "من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب في استغفاره"، وكان بعضهم يقول: "استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير".

وأفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيح: (سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة)، ومن صيغ الاستغفار العظيمة ما ورد في الحديث الصحيح عند الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان فر من الزحف) .

3- التوحيد الخالص : 

السبب الثالث من أسباب المغفرة تحقيق التوحيد، وهو من أهم الأسباب وأعظمها، فمن فقدَه فقَدَ المغفرة، ومن جاء به فقَدْ أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} (النساء: 48)،
 والتوحيد في الحقيقة ليس مجرد كلمة تنطق باللسان من غير فقه لمعناها، أو عمل بمقتضاها، إذاً لكان المنافقون أسعد الناس بها، فقد كانوا يرددونها بألسنتهم صباح مساء ويشهدون الجمع والجماعات، ولكنه في الحقيقة استسلام وانقياد، وطاعة لله ولرسوله، وتعلق القلب بالله سبحانه محبة وتعظيما، وإجلالا ومهابة، وخشية ورجاء وتوكلا، كل ذلك من مقتضيات التوحيد ولوازمه، وهو الذي ينفع صاحبه يوم الدين.

...تابع القراءة

المشاركات الشائعة